فصل: 543- باب ما جَاءَ في تُحْفَةِ الصّائِم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


526- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الحِجَامَةِ للصّائِم

768- حدثنا محمدُ بن يحيى وحدثنا محمدُ بنُ رافِعٍ النَيْسَابُورِيّ و محمودُ بنُ غَيْلاَنَ و يَحْيى بنُ مُوسى قالوا حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عن مَعْمَرٍ عن يَحْيى بنِ أبي كثيرٍ عن إبرَاهِيمَ بنِ عبدِ الله بنِ قَارِظٍ عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ ‏"‏أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن علي وسَعْدٍ وشَدّادِ بنِ أوْسٍ وثَوْبَانَ وأُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ وعَائِشَةَ ومَعْقِلِ بنِ سَنان، ويُقَالُ ‏(‏ابن يسارٍ‏)‏ وأبي هُرَيْرَةَ وابنِ عبّاسٍ وأبي موسى وبِلاَلٍ وسعد‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وحديثُ رَافِعِ بنِ خَدِيْجٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وذُكِرَ عن أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ أنّهُ قالَ‏:‏ أصَحّ شَيْءٍ في هذا البابِ حَدِيثُ رَافِعِ بنِ خَديجٍ وذُكِرَ عن عليّ بنِ عبدِ الله أَنه قال أَصَحّ شَيءٍ في هذا البابِ حديثُ ثَوْبانَ وشَدّادِ بنِ أوْسٍ لأنّ يَحْيَىَ بنَ أبي كَثيرٍ رَوَى عن أبي قِلاَبَة الحَديثَيْنِ جَميعاً حَديثَ ثَوْبانَ وحَديثَ شَدّادِ بنِ أوْسٍ‏.‏

وقد كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهمْ الحِجَامَةَ للصّائِمِ حتّى أنّ بعضَ أَصحابَ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ باللّيْلِ مِنْهُمْ أَبو مُوسى الأشْعَرِيّ وابنُ عُمَرَ وبهذَا يقولُ ابنُ المبارَك‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ سَمِعْتُ إسحاقَ بنَ مَنْصُورٍ يقولُ‏:‏ قال عَبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي‏:‏ مَنِ احْتَجَمَ وهُوَ صائِمٌ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ‏.‏ قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ وهكذا قال أحمدُ وإسحاقُ‏.‏

حدثنا الزّعْفرانِيّ قال‏:‏ وقال الشّافعيّ‏:‏ قد رُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنهُ احْتَجَمَ وهُوَ صائمٌ ورُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال‏:‏ ‏"‏أَفْطَر الحَاجِمُ والمَحْجُومُ‏"‏ ولا أَعْلَمُ واحداً منْ هَذَيْنِ الحَديثَيْنِ ثابِتاً‏.‏ ولو تَوَقّى رَجُلٌ الحِجَامَةَ وهُوَ صائمٌ كان أحَبّ إلَيّ لو احْتَجَمَ صائمٌ لمْ أَرَ ذَلكَ أَنْ يُفْطِرَهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هكذا كانَ قولُ الشّافعيّ ببغْدادَ، وأَمّا بِمصْرَ فَمالَ إلى الرّخْصَةِ، ولمْ يَرَ بالحِجَامَةِ للصائم بأْساً واحْتَجّ بأَنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ في حَجّةِ الودَاعِ وهُوَ مُحْرِمٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ابراهيم بن عبد الله بن قارظ‏)‏ بقاف وظاء، وقيل هو عبد الله بن ابراهيم بن قارظ ووهم من زعم أنهما اثنان صدوق من الثالثة كذا في التقريب ‏(‏أفطر الحاجم والمحجوم‏)‏ استدل بظاهر هذا الحديث من قال بحرمة الحجامة للصائم وسيجيء ذكرهم‏.‏

قوله‏:‏ وفي الباب عن سعد أي ابن أبي وقاص مالك بن وهب بن عبد مناف أحد العشرة، أخرج حديثه ابن عدي في الكامل وفي سنده داود بن الزبرقان وهو ضعيف ‏(‏وعلي‏)‏ بن أبي طالب، أخرجه النسائي وذكر الاختلاف فيه، وأخرجه البزار في مسنده وقال‏:‏ جميع ما يرويه الحسن عن علي مرسل وإنما يروى عن قيس بن عباد وغيره عن علي ‏(‏وشداد بن أوس وثوبان‏)‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ أما حديث ثوبان وشداد فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان‏.‏ قال علي بن سعيد النسوي‏:‏ سمعت أحمد يقول هو أصح ما روي فيه، وكذا قال الترمذي عن البخاري ورواه المذكورون من طريق يحيى بن أبي كثير أيضاً عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد بن أوس وصحح البخاري الطريقين تبعاً لعلي بن المديني، نقله الترمذي في العلل‏.‏ وقد استوعب النسائي طرق هذا الحديث في السنن الكبرى انتهى ‏(‏وأسامة بن زيد‏)‏ أخرجه النسائي من حديث أشعث بن عبد الملك عن الحسن عنه ثم قال‏:‏ لا نعلم تابع أشعث على روايته أحد ‏(‏وعائشة‏)‏ أخرجه النسائي أيضاً وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف ومعقل بن يسار ويقال ‏(‏معقل بن سنان‏)‏ أخرجه النسائي أيضاً وذكر الاختلاف فيه ‏(‏وابن عباس‏)‏ أخرجه النسائي ‏(‏وأبي موسى‏)‏ أخرجه النسائي والحاكم وصححه علي بن المديني، وقال النسائي رفعه خطأ والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة وعلقه البخاري ‏(‏وبلال‏)‏ أخرجه النسائي، وقد ذكر الحافظ الزيلعي في نصب الراية والحافظ بن حجر في التلخيص هذه الأحاديث وغيرها مع الكلام عليها مفصلاً من شاء الوقوف عليها فليرجع إليهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ‏(‏وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال أصح شيء في هذا الباب حديث رافع بن خديج‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ لكن عارض أحمد يحيى بن معين في هذا فقال حديث رافع أضعفها‏.‏ وقال البخاري‏:‏ هو غير محفوظ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه هو عندي باطل‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ سألت إسحاق بن منصور عنه فأبى أن يحدثني به عن عبد الرزاق وقال هو غلط، قلت‏:‏ ما علته‏؟‏ قال‏:‏ روى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد حديث‏:‏ مهر البغي خبيث، وروي عن يحيى عن أبي قلابة أن أبا أسماء حدثه أن ثوبان أخبره به فهذا هو المحفوظ عن يحيى، فكأنه دخل لمعمر حديث في حديث انتهى ‏(‏وذكر عن علي بن عبد الله‏)‏ بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله ‏(‏وأنه قال أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعاً حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس‏)‏ يعني فانتفى الاضطراب وتعين الجمع بذلك‏.‏ وقد صحح للبخاري الطريقين تبعاً لعلي بن المديني كما عرفت في بيان تخريج حديثهما، وكذا قال عثمان الدارمي‏:‏ صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم من طريق ثوبان وشداد، قال‏:‏ وسمعت أحمد يذكر ذلك، وقال المروزي‏:‏ قلت لأحمد‏:‏ إن يحيى بن معين قال ليس فيه شيء يثبت، فقال‏:‏ هذا مجازفة‏.‏ وقال ابن خزيمة‏:‏ صح الحديثان جميعاً وكذا قال ابن حبان والحاكم كذا في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد كره قوم من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم الحجامة للصائم‏)‏ واحتجوا بحديث الباب وهو بظاهره يدل صراحة على أن الحجامة تفطر الصائم‏.‏ قال الطيبي‏:‏ ذهب إلى هذا الحديث جمع من الأئمة وقالوا يفطر الحاجم والمحجوم، ومنهم أحمد وإسحاق، وقال قوم منهم مسروق والحسن وابن سيرين‏:‏ يكره الحجامة للصائم ولا يفسد الصوم بها، وحملوا الحديث على التشديد وأنهما نقصا أجر صيامهما وأبطلاه بارتكاب هذا المكروه‏.‏ وقال الأكثرون‏:‏ لا بأس بها إذ صح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم، وإليه ذهب مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وقالوا معنى قوله ‏"‏أفطر‏"‏ تعرض للإفطار كما يقال هلك فلان إذا تعرض الهلاك انتهى كلام الطيبي، وقال البغوي في شرح السنة‏:‏ معنى قوله ‏"‏أفطر الحاجم والمحجوم‏"‏ أي تعرضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر انتهى كلام البغوي‏.‏

527- باب ما جَاءَ منَ الرّخْصَةِ في ذلك

769- حدثنا بشْرٌ بنُ هِلالٍ البَصْرِيّ، حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ حدثنا أَيوبُ عَنْ عكْرِمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ قال‏:‏ ‏"‏احتجمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِمٌ صَائمٌ‏"‏‏.‏

770- حدثنا أَبو موسى، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الله الأنْصارِيّ عن حَبيبِ بنِ الشّهيدِ عن مَيْمُونِ بنِ مِهْرانَ عن ابنِ عبّاسٍ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ وهُوَ صَائِمٌ‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ منْ هذا الوجْهِ‏.‏

771- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا عبدُ الله بنُ إدْريسَ عن يَزيدَ بن أبي زِيَادٍ عن مِقسَمٍ عن ابنِ عبّاسٍ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ فيما بين مَكّةَ والمَدِينَةَ وهو مُحْرِمٌ صائِمٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وفي البابِ عن أبي سَعيدٍ وجابرٍ وأنَسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عبّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَهلِ العلمِ منْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم إلى هذا الحديثِ ولمْ يَرَوْا بالحِجَامَةِ للّصائِمِ بأْساً وهوَ قَوْلُ سُفْيانَ الثّوْرِيّ ومالكِ بنِ أَنَسٍ والشّافِعِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم صائم‏)‏ أي احتجم في حال اجتماع الصوم مع الإحرام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هكذا روى وهيب نحو رواية عبد الوارث‏)‏ ورواية وهيب أخرجها البخاري في صحيحه ‏(‏وروى إسماعيل بن إبراهيم‏)‏ وهو معروف بإبن علية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن حبيب بن الشهيد‏)‏ الأزدي البصري ثقة ثبت من الخامسة ‏(‏عن ميمون بن مهران‏)‏ الجزري أصله كوفي نزل الرقة ثقة فقيه ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز وكان يرسل من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب من هذا الوجه‏)‏ ورواه النسائي أيضاً بإسناد الترمذي وزاد‏:‏ وهو محرم، وقال‏:‏ هذا حديث منكر لا أعلم أحداً رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة كذا في عمدة القاري‏.‏

وله‏:‏ احتجم فيما بين مكة والمدينة وهو محرم صائم قال الحافظ في التلخيص له طرق عند النسائي وهاها وأعلها، واستشكل كونه صلى الله عليه وسلم جمع بين الصيام والإحرام لأنه لم يكن من شأنه التطوع بالصيام في السفر، ولم يكن محرماً إلا وهو مسافر، ولم يسافر في رمضان إلى جهة الإحرام إلا في غزاة الفتح ولم يكن حينئذ محرماً‏.‏ قال الحافظ بعد ذكر هذا الكلام ما لفظه‏:‏ وفي الجملة الأولى نظر، فما المانع من ذلك‏.‏ فلعله فعل مرة لبيان الجواز وبمثل هذا لا نرد الأخبار الصحيحة‏.‏ ثم ظهر لي أن بعض الرواة جمع بين الأمرين في الذكر، فأوهم أنهما وقعا معاً والأصوب رواية البخاري‏:‏ احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم فيحمل على أن كل واحد منهما وقع في حالة مستقلة وهذا لا مانع منه، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم صام في رمضان وهو مسافر وهو في الصحيحين بلفظ‏:‏ وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة، ويقوي ذلك أن غالب الأحاديث ورد مفصلاً انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد وجابر وأنس‏)‏ أما حديث أبي سعيد فأخرجه النسائي من رواية أبي المتوكل عن أبي سعيد قال‏:‏ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبلة للصائم والحجامة‏:‏ وأما حديث جابر فأخرجه النسائي أيضاً من رواية أبي الزبير عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وأما حديث أنس رضي الله عنه فأخرجه الدارقطني من رواية ثابت عنه وفيه‏:‏ ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم‏.‏ وفي الباب أيضاً عن ابن عمر وعائشة ومعاذ وأبي موسى، وتخريج أحاديث هؤلاء رضي الله عنهم مذكور في عمدة القاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عباس حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي وله طرق كما تقدم في كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الحديث الخ‏)‏ قال ابن حزم‏:‏ صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب لكن وجدنا من حديث أبي سعيد‏:‏ أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً انتهى‏.‏ قال الحافظ في الفتح بعد ذكر كلام ابن حزم هذا ما لفظه‏:‏ والحديث المذكور أخرجه النسائي وابن خزيمة والدارقطني ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني ولفظه‏:‏ أول ما كرهت الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أفطر هذان، ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهو صائم ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر لأن فيه أن ذلك كان في الفتح وجعفر كان قتل قبل ذلك‏.‏ ومن أحسن ما ورد في ذلك ما رواه عبد الرزاق وأبو داود من طريق عبد الرحمَن بن عابس عن عبد الرحمَن بن أبي ليلى عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه، إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر، وقوله ‏"‏إبقاء على أصحابه‏"‏ يتعلق بقوله ‏"‏نهى‏"‏ وقد رواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه‏:‏ عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف أي لئلا يضعف انتهى كلام الحافظ‏.‏

528- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ الوِصالِ للصائم

‏(‏باب ما جاء في كراهية الوصال في الصيام‏)‏ هو الترك في ليالي الصيام لما يفطر بالنهار بالقصد فيخرج من أمسك اتفاقاً ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، قاله الحافظ ابن حجر‏:‏ وقال الجزري في النهاية‏:‏ هو أن لا يفطر يومين أو أياماً انتهى‏.‏

772- حدثنا نَصْرُ بنُ علي حدثنا بِشْرُ بنُ المُفَضّلِ و خالِدُ بنُ الحارثِ عن سَعيد عن قَتَادَةَ عن أنَسٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا تُوَاصِلُوا، قالُوا فإِنّكَ تُوَاصِلُ يا رسولَ الله قال‏:‏ إِنّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ إِنّ رَبّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن علي وأبي هُرَيرةَ وعَائِشَةَ وابن عُمَرَ وجَابرٍ وأبي سَعيد وبَشِيرِ بنِ الخَصاصِيَةِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أنسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلم كَرِهُوا الْوِصالَ في الصيامِ وَرُوِيَ عن عبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ أنّهُ كانَ يُوَاصِلُ الأيّامَ ولا يُفْطِرُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إني لست كأحدكم‏)‏ وفي حديث ابن عمر‏:‏ لست مثلكم، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم‏:‏ لستم في ذلك مثلي ‏(‏إن ربي يطعمني ويسقيني‏)‏ استئناف مبين لنفي المساواة‏.‏ قال الجمهور‏:‏ هذا مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة فكأنه قال‏:‏ يعطيني قوة الاَكل والشارب ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب ويقوي على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة ولا كلال في الإحساس، ويحتمل أن يكون المراد أي يشغلني بالتفكر في عظمته والتملي بمشاهدته والتغذي بمعارفه وقرة العين بمحبته والاستغراق في مناجاته والإقبال عليه عن الطعام والشراب وإلى هذا جنح ابن القيم وقال‏:‏ قد يكون هذا الغذاء أعظم ومن له أدنى ذوق وتجربة يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه‏.‏

وقيل‏:‏ هو على حقيقته وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً‏.‏ قلت‏:‏ في هذا التعقب نظر فتفكر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وأبي هريرة وعائشة وابن عمر وجابر وأبي سعيد وبشير بن الخصاصية‏)‏ أما حديث علي فأخرجه أحمد، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان، وأما حديث عائشة فأخرجه أيضاً الشيخان، وأما حديث ابن عمر فأخرجه أيضاً الشيخان، وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني، وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري، وأما حديث بشير بن الخصاصية فأخرجه أحمد في مسنده‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا الوصال في الصيام‏)‏ واختلفوا في المنع، فقيل على سبيل التحريم، وقيل على سبيل الكراهة، وقيل يحرم على من شق ويباح لمن لا يشق عليه‏.‏ وذهب الأكثرون إلى تحريم الوصال وهو القول الراجح ‏(‏وروي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل الأيام‏)‏ أخرج ابن أبي شيبة عن ابن الزبير بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً ذكره الحافظ في الفتح‏.‏

529- باب ما جَاءَ في الجُنُبِ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهُو يُريدُ الصّوْم

773- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ شِهابٍ عن أبي بكْرِ بنِ عبدِ الرحمَنِ بنِ الحَارثِ بنِ هِشام قال‏:‏ ‏"‏أخْبرتْنِي عائشةُ وأُمّ سَلَمَةَ زَوْجا النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهو جُنُبٌ مِنْ أَهْلهِ ثمّ يَغْتَسِلُ فَيصُومُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عائشةَ وأُمّ سَلَمَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعَمَلُ على هَذا عنَد أكثرِ أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَغَيْرِهِم وهو قَوْلُ سُفْيانَ والشّافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ وقد قال قوْمٌ مِنَ التّابعينَ‏:‏ إذا أصْبَحَ جُنُباً يَقْضي ذلكَ اليَوْمَ‏.‏ والقَوْلُ الأوّلُ أَصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏زوجا النبي‏)‏ بصيغة التثنية سقط نون التثنية بالإضافة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو جنب من أهله‏)‏ أي من الجماع لا من الاحتلام ‏(‏حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وغيرهما ‏(‏والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قد أجمع أهل هذه الأعصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع وبه قال جماهير الصحابة والتابعين، وحكي عن الحسن بن صالح بن حي إبطاله وكان عليه أبو هريرة، والصحيح أنه رجع عنه كما صرح به في رواية مسلم، وقيل لم يرجع عنه وليس بشيء، وحكى عن طاوس وعروة‏:‏ إن علم بجنابته لم يصح وإلا فيصح، وحكى مثله عن أبي هريرة، وحكى أيضاً عن الحسن البصري أنه يجزئه في صوم التطوع دون العرض، وحكى عن سالم بن عبد الله والحسن البصري والحسن بن صالح يصومه ويقضيه، ثم ارتفع هذا الخلاف وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته انتهى كلام النووي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد قال قوم من التابعين إذا أصبح جنباً يقضي ذلك اليوم‏)‏ وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي الناس أنه من أصبح جنباً فلا يصوم ذلك اليوم ثم رجع عن هذه الفتيا‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقد بقي على مقالة أبو هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي ثم ارتفع ذلك الخلاف واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي‏.‏ وأما ابن دقيق العيد فقال‏:‏ صار ذلك إجماعاً أو كالإجماع انتهى ‏(‏والقول الأول أصح‏)‏ فإن قلت‏:‏ قد ثبت من حديث أبي هريرة ما يخالف حديث الباب فأخرج الشيخان عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من أصبح جنباً فلا صوم له‏"‏، وقد بقي على العمل بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين كما ذكره الترمذي فما وجه كون القول الأول أصح من القول الثاني‏.‏

قلت‏:‏ لو وجوه مذكورة في فتح الباري وغيره‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ إنه صح وتواتر حديث عائشة وأم سلمة، وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي بذلك، وأيضاً رواية اثنين مقدمة على رواية واحد ولا سيما وهما زوجتان للنبي صلى الله عليه وسلم والزوجات أعلم بحال الأزواج‏.‏ وقال الحافظ في التلخيص‏:‏ قال ابن المنذر‏:‏ أحسن ما سمعت في هذا الحديث أنه منسوخ لأن الجماع في أول الإسلام كان محرماً على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل الاغتسال، وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول ولم يعلم النسخ، فلما علمه من حديث عائشة وأم سلمة رجع إليه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقال المصنف إنه محمول عند الأئمة على ما إذا أصبح مجامعاً واستدامه مع علمه بالفجر، والأول أولى انتهى‏.‏ وقال محمد في موطئه‏:‏ من أصبح جنباً من جماع من غير احتلام في شهر رمضان ثم اغتسل بعد ما طلع الفجر فلا بأس بذلك، وكتاب الله تعالى يدل على ذلك‏.‏

530- باب ما جَاءَ في إِجَابَةِ الصّائِمِ الدّعْوَة

774- حدثنا أَزْهَرُ بنُ مَروانَ البَصْرِيّ حدثنا محمد بن سواء حدثنا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوَبةَ عن أَيّوبَ عن محمدِ بنِ سيرينَ عن أَبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى طَعامٍ فَلْيُجِبْ، فإِنْ كانَ صائِماً فَلْيُصَلّ‏"‏ يَعْني الدّعاءَ‏.‏

775- حدثنا نصْرُ بنُ علي حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزّنادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُرَيرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إِذا دُعِيَ أحَدُكُمْ وهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ‏:‏ إنّي صَائِمٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وكِلاَ الحَديثَيْنِ في هذا البابِ عن أبي هُرَيْرَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فإن كان صائماً فليصل‏)‏ أي فليدع لأهل الطعام بالبركة كما في حديث ابن مسعود عند الطبراني، وإن كان صائماً فليدع بالبركة ‏(‏يعني الدعاء‏)‏ هذا تفسير من بعض الرواة أو الترمذي، أي ليس المراد بقوله ‏"‏فليصل‏"‏ الصلاة كما هو الظاهر بل المراد به الدعاء، وحمله الطيبي على ظاهره فقال‏:‏ أي ركعتين في ناحية البيت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أم سليم انتهى‏.‏ قال القاضي في المرقاة‏:‏ ظاهر حديث أم سليم أن يجمع بين الصلاة والدعاء انتهى‏.‏ قلت‏:‏ حديث أم سليم أخرجه البخاري عن أنس ولفظه هكذا قال‏:‏ دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم سليم فأتته بتمر وسمن فقال أعيدوا سمنكم في سقائه وتمركم في وعائه فإني صائم ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها انتهى‏.‏ ويجوز لمن صام صوم نفل أن يفطر ويطعم لما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً‏:‏ إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء لم يطعم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فليقل إني صائم‏)‏ قال ابن الملك‏:‏ أمر صلى الله عليه وسلم المدعو حين لا يجيب الداعي أن يعتذر عنه بقوله إني صائم، وإن كان يستحب إخفاء النوافل لئلا يؤدي ذلك إلى عداوة وبغض في الداعي انتهى‏.‏ وقال النووي‏:‏ محمول على أنه يقوله اعتذاراً له وإعلاماً بحاله فإن سمح له ولم يطالبه بالحضور سقط عنه الحضور، وإن لم يسمح وطالبه بالحضور لزمه الحضور وليس الصوم عذراً في إجابة الدعوة لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذراً في ترك الأكل بخلاف المفطر فإنه يلزمه الأكل على أصح الوجهين عندنا وأما الأفضل للصائم فقال أصحابنا إن كان يشق على صاحب الطعام صومه استحب له الفطر وإلا فلا، هذا إذا كان صوم تطوع، فإن كان صوماً واجباً حرم الفطر انتهى كلام النووي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فكلا الحديثين في هذا الباب عن أبي هريرة حسن صحيح‏)‏ وأخرجهما مسلم‏.‏

531- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ صَوْمِ المَرأَةِ إلاّ بِإِذْنِ زَوْجِهَا

776- حدثنا قُتَيْبةُ ونصْرُ بنُ عَلي قالا حدثنا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أبي الزنّادِ عن الأعْرَجِ عن أبي هُريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لاَ تَصُومُ المَرْأةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْماً مِن غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ إلاّ بإِذْنِهِ‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن ابنِ عبّاسٍ وأبي سَعيدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقد رُوِيَ هذا الحَديثُ عن أبي الزّنادِ عن موسى بنِ أبي عُثْمانَ عن أبيهِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تصوم المرأة‏)‏ النفي بمعنى النهي، وفي رواية مسلم‏:‏ لا يحل للمرأة أن تصوم ‏(‏وزوجها شاهد‏)‏ أي حاضر معها في بلدها ‏(‏إلا بإذنه‏)‏ تصريحاً أو تلويحاً‏.‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ ظاهر الحديث إطلاق منع صوم النفل فهو حجة على الشافعية في استثناء نحو عرفة وعاشوراء انتهى‏.‏ قلت‏:‏ الأمر كما قال القاري، وإنما لم يلحق بالصوم الإعتكاف لا يصح بدون الصوم انتهى ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس وأبي سعيد‏)‏ أما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه‏:‏ ومن حق الزوج على الزوجة أن لا تصوم تطوعاً إلا بإذنه فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها، كذا في الترغيب‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود وابن ماجه، كذا في المشكاة في باب عشرة النساء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما‏.‏

532- باب ما جَاءَ في تَأْخِيرِ قَضَاءِ رَمَضَان

777- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا أبو عَوانَةَ عن إسماعيلَ السّدّيّ عن عبدِ الله البَهِيّ عن عَائِشةَ قالت‏:‏ ‏"‏مَا كُنْتُ أقْضى ما يَكُونُ عَلَيّ مِنْ رَمَضَانَ إلاّ في شَعْبَانَ حَتَى تُوُفّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال‏:‏ وقَد رَوَى يَحْيى بنُ سَعيدٍ الأنْصَارِيّ عن أبي سَلَمَةَ عن عَائشةَ نَحْوَ هذَا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعن عبد الله البهي‏)‏ بفتح الموحدة وكسر الهاء ليس نسبة إلى أحد وإنما هو لقب عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير، كذا في جامع الأصول‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا في شعبان‏)‏ زاد البخاري‏:‏ قال يحيى‏:‏ الشغل من النبي صلى الله عليه وسلم أو بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الزيادة مدرجة من قول يحيى بن سعيد الأنصاري كما بينه الحافظ في الفتح، وقال فيه‏:‏ ومما يدل على ضعف الزيادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم لنسائه فيعدل وكان يدنو من في المرأة في غير نوبتها فيقبل ويلمس من غبر جماع، فليس في شغلها بشيء من ذلك ما يمنع الصوم اللهم إلا أن يقال إنها كانت لا تصوم إلا بإذنه ولم يكن يأذن لاحتمال احتياجه إليها، فإذا ضاق الوقت أذن لها، وكان هو صلى الله عليه وسلم يكثر الصوم في شعبان فلذلك كانت لا يتهيأ لها القضاء إلا في شعبان‏.‏ وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقاً سواء كان لعذر أو بغير عذر لأن الزيادة كما بيناه مدرجة، فلو لم تكن مرفوعة لكان الجواز مقيداً بالضرورة، لأن للحديث حكم الرفع، لأن الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع توفر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزاً لم تواظب عائشة عليه‏.‏ ويؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان‏.‏ أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر‏.‏

533- باب ما جَاءَ في فَضْل الصّائِمِ إذَا أُكِلَ عِنْدَه

778- حدثنا عليّ بنُ حُجْرِ أخبرنا شَريِكٌ عن حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ عن لَيْلَى عَنْ مَوْلاَتِهَا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏الصّائِمُ إذَا أَكَلَ عِنْدَهُ المَفَاطِيرُ صَلّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ورَوَى شُعْبَةُ هذَا الحَدِيثَ عَنْ حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ عن ليلى عَنْ جَدّتِهِ أُمّ عُمَارَةَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ‏.‏

779- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا أَبو دَاوُدَ، أخبرنا شُعْبَةُ عن حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ مَوْلاَةً لَنَا يُقَالُ لَهَا لَيْلَى تُحَدّثُ عَنْ جدّة أُمّ عُمَارَةَ بنت كَعْبٍ الأنْصَارِيّةِ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فقَدّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً فقالَ‏:‏ كُلِى، فَقَالَتْ‏:‏ إنّي صَائِمَةٌ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إنّ الصّائِمَ تُصَلّي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ إذَا أُكِلَ عِنْدَهُ حَتَى يَفْرُغُوا، ورُبّمَا قالَ ‏"‏حَتّى يَشْبَعُوا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

780- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ عن حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ عن مَوْلاَةٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى عَنْ أُمّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ ‏(‏حتّى ‏"‏يَفْرُغُوا أَو يَشْبَعُوا‏"‏‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وأُم عُمَارَةَ هِيَ جَدّةُ حَبِيبِ بنِ زَيْدٍ الأنْصَارِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا شريك‏)‏ بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظ منذ ولي القضاء بالكوفة ‏(‏عن ليلى‏)‏ قال في التقريب‏:‏ ليلى مولاة أم عمارة الأنصارية مقبولة من السادسة، وذكرها الذهبي في الميزان في فصل النسوة المجهولات ‏(‏عن مولاتها‏)‏ أي معتقتها بالكسر وهي أم عمارة ويطلق المولاة على المعتقة بالفتح أيضاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا أكل عنده المفاطير‏)‏ جمع المفطر أي المفطرون ‏(‏صلت عليه الملائكة‏)‏ أي دعت له الملائكة بما صبر مع وجود المرغب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن جدته أم عمارة‏)‏ بضم العين وتخفيف الميم الأنصارية يقال اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية والدة عبد الله بن زيد صحابية مشهورة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمعت مولاة لنا‏)‏ المراد بالمولاة ههنا المعتقة بالفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تصلي عليه الملائكة‏)‏ أي تستغفر له ‏(‏إن الصائم إذا أكل عنده‏)‏ أي ومالت نفسه إلى المأكول واشتد صومه عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجه أيضاً ورواه النسائي عن ليلى مرسلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعن مولاة لهم‏)‏ المراد بالمولاة ههنا المعتقة بالفتح‏.‏

534- باب ما جَاءَ في قَضَاء الحَائِضِ الصّيَامَ دُونَ الصلاة

781- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ أخبرنا عليّ بنُ مُسْهر عن عُبَيْدَةَ عن إِبْرَاهِيمَ عن الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالت ‏"‏كُنّا نَحِيضُ على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثُمّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصّيَامِ ولا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصّلاةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ وقد رُوِيَ عن مُعَاذَةَ عن عَائِشَةَ أَيْضاً‏.‏ والعملُ على هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ لا نَعْلَمُ بَيْنَهُم اخْتِلاَفاً أنّ الحَائِضَ تَقْضِي الصّيَامَ وَلاَ تَقْضي الصّلاةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وعُبَيْدَةُ هُوَ ابنُ مُعَتّبٍ الضّبّيّ الكُوفِيّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الكَرِيمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبيدة‏)‏ بالتصغير ابن معتب بميم مضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوقية ثقيلة بعدها موحدة الكوفي الضرير ضعيف واختلط بآخره من الثامنة، ما له في البخاري سوى موضع واحد في الأضاحي، كذا في التقريب‏.‏ قلت‏:‏ علق له البخاري في ذلك الموضع الواحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة‏)‏ قد علل ذلك بأن قضاء الصوم لا يشق لأنه لا يكون في السنة إلا مرة بخلاف قضاء الصلاة فإنه يشق كثيراً لأنه يكون غالباً في كل شهر ستاً أو سبعاً وقد يمتد إلى عشر فيلزم قضاء صلوات أربعة أشهر من السنة وذلك في غاية المشقة، قاله القاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ قد عرفت أن في سنده عبيدة بن معتب وهو ضعيف ومع كونه ضعيفاً كان قد اختلط بآخره إلا أنه معتضد بطريق معاذة عن عائشة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روي عن معاذة عن عائشة أيضاً‏)‏ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

535- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ مُبَالَغَةِ الاسْتِنْشَاقِ للصّائِم

782- حدثنا عبدُ الوَهّابِ بن عبدالحكيم البغداديّ الوَرّاقُ وأَبُو عَمّارٍ الحسين بن حرث قالاَ حدثنا يَحْيى بنُ سُلَيْمٍ حَدّثَنيِ إسماعيلُ بنُ كثِيرٍ قالَ سَمِعْتُ عَاصِمَ بنَ لَقِيطِ بنِ صَبْرَةَ عن أبيهِ قالَ‏:‏ ‏"‏قُلْتُ يَا رَسُولَ الله أَخْبِرْنِي عنِ الوُضُوءِ قالَ‏:‏ ‏"‏أَسْبِغ الوُضُوءَ، وخَلّلْ بَيْنَ الأصَابِعِ، وبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد كرِهَ أَهْلُ العِلْمِ السّعُوطَ للِصّائِمِ وَرَأَوْا أَنّ ذلكَ يُفْطرهُ، وفي الباب ما يُقَوّي قَوْلَهُمْ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سمعت عاصم بن لقيط بن صبرة‏)‏ بفتح الصاد وكسر الباء ويجوز سكون الباء مع فتح الصاد وكسرها كذا في التهذيب ‏(‏أخبرني عن الوضوء‏)‏ أي كماله ‏(‏قال أسبغ الوضوء‏)‏ بضم الواو أي أتم فرائضه وسننه ‏(‏وخلل بين الأصابع‏)‏ أي أصابع اليدين والرجلين ‏(‏وبالغ في الاستنشاق‏)‏ بإيصال الماء إلى باطن الأنف ‏(‏إلا أن تكون صائماً‏)‏ فلا تبالغ لئلا يصل إلى باطنه فيبطل الصوم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وأخرجه ابن ماجه والدارمي إلى قوله بين الأصابع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد كره أهل العلم السعوط للصائم‏)‏ قال في القاموس‏:‏ سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه إياه سعطة واحدة وإسعاطه واحدة أدخله في أنفة فاستعط، والسعوط كصبور ذلك الدواء ‏(‏ورأوا أن ذلك‏)‏ أي السعوط ‏(‏يفطره‏)‏ من التفطير أي بجعل الصائم مفطراً ويفسد صومه ‏(‏وفي الحديث ما يقوي قولهم‏)‏ قال الخطابي‏:‏ في الحديث من الفقه إن وصل الماء إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان ذلك بفعله، وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه انتهى‏.‏ واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ، فقالت الحنفية ومالك والشافعي في أحد قوليه والمزني أنه يفسد الصوم، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق والأوزاعي وأصحاب الشافعي أنه لا يفسد الصوم كالناسي، وقال الحسن البصري والنخعي يفسد إن لم يكن لفريضة‏.‏

536- باب ما جَاءَ فِيمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فلا يَصُومُ إِلاّ بإِذْنِهِم

783- حدثنا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِيّ البَصْرِيّ حدثنا أَيّوبُ بنُ وَاقِدٍ الكُوفِيّ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عَائِشَةَ قالَتْ‏:‏ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏مَنْ نَزَلَ على قَوْمٍ فَلاَ يَصُومَنّ تَطَوّعاً إلاّ بإِذْنِهِمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ مُنْكَرٌ لا نَعْرِفُ أحَداً مِنَ الثّقَاتِ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ‏.‏ وقد رَوَى مُوسى بنِ دَاوُدَ عَنْ أبي بَكْرٍ المَدِنّي عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عَنْ عائِشَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْواً مِنْ هذا‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وهذا حديثٌ ضعيفٌ أيْضاً‏.‏ وأبُو بَكْرٍ ضعيفٌ عندَ أهلِ الحَديثِ‏.‏ وأبو بَكْرٍ المْدنِيّ الذي رَوَى عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ الله اسْمُهُ الفَضْلُ بنُ مُبَشّرٍ وهُوَ أوْثَقُ مِنْ هذَا وأقْدَمُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بشر بن معاذ العقدي‏)‏ بفتح المهملة والقاف أبو سهل الضرير صدوق من العاشرة كذا في التقريب ‏(‏أخبرنا أيوب بن واقد الكوفي‏)‏ أبو الحسن ويقال أبو سهل سكن البصرة متروك من الثامنة كذا في التقريب‏.‏ وقال الذهبي في الميزان‏:‏ قال البخاري‏:‏ منكر الحديث‏.‏ وقال أحمد‏:‏ ضعيف‏.‏ وقال ابن معين‏:‏ ليس بثقة‏.‏ وقال ابن عدي‏:‏ عامة ما يرويه لا يتابع عليه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلا يصومن تطوعاً إلا بإذنهم‏)‏ جبراً لخاطرهم، والنهي للتنزيه، كذا في التيسير‏.‏ وقال أبو الطيب في شرح الترمذي‏:‏ لئلا يتحرجوا بصومه بسبب تقييد الوقت وإحسان الطعام للصائم بخلاف ما إذا كان مفطراً فيأكل معهم كما يأكلون، فيندفع عنهم الحرج، ولأنه من آداب الضيف أن يطيع المضيف، فإذا خالف فقد ترك الأدب انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث منكر‏)‏ المنكر ما تفرد به الضعيف ‏(‏وقد روى موسى بن داود‏)‏ الضبي أبو عبد الله الطرطوسي نزيل بغداد ولي قضاء طرسوس صدوق ففيه زاهد له أوهام من صغار التاسعة، قاله الحافظ في التقريب‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ روى له مسلم حديث أبي سعيد في الشك في الصلاة فقط، واستشهد به الترمذي في حديث في صيام التطوع انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو أوثق من هذا وأقدم‏)‏ أي أبو بكر المديني الذي روى عن جابر أوثق وأقدم من أبي بكر المديني عن هشام‏.‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ أبو بكر المديني عن هشام ضعيف من السابعة، وقال فيه الفضل بن مبشر بموحدة ومعجمة ثقيلة الأنصاري أبو بكر المدني مشهرو بكنيته فيه لين من الخامسة انتهى‏.‏ وقال الخزرجي‏:‏ الفضل بن مبشر الأنصاري أبو بكر المدني ضعفه جماعة انتهى‏.‏ فظهر أن المراد بقول الترمذي‏:‏ ‏"‏هو أوثق من هذا‏"‏ أنه وإن كان هو في نفسه ضعيفاً أيضاً لكنه أقوى من هذا، وضعفه أقل من ضعف هذا‏.‏

537- باب ما جَاءَ في الاْعتِكاف

‏(‏باب ما جاء في الاعتكاف‏)‏ الاعتكاف لغة لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وشرعاً المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعاً إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامداً عند قوم، واختلف في اشتراط الصوم له كذا في فتح الباري وغيره‏.‏

784- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الرّزّاقُ أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ و عُرْوَةٌ عَنْ عَائِشَة ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتّى قَبَضَهُ الله‏"‏‏.‏

قَالَ‏:‏ وفي البابِ عَنْ أُبَيّ بنِ كَعْبٍ وأبي ليلى وأبِي سَعِيدٍ وأنَسٍ وابنِ عُمَرَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هُرَيْرَةَ وعَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

785- حدثنا هَنّادُ حدثنا أبو مُعَاوِيةَ عن يَحْيى بنِ سَعيدٍ عنْ عَمْرَةَ عن عائشةَ قالت‏:‏ ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَرادَ أنْ يَعَتكِفَ صَلّى الفَجْرَ ثُمّ دَخَل في مُعْتكَفِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ عن عَمْرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً‏.‏ رَوَاهُ مالِكٌ وغَيْرُ واحِدٍ عن يَحيى بنِ سَعِيدٍ عن عمرة مُرْسَلاً‏.‏ وَرَوَاهُ الأوْزَاعِيّ وسُفْيان الثّوْرِيّ وغير واحد عن يَحْيى بن سعيدٍ عن عَمْرةَ عن عائِشَةَ‏.‏

والعَمَلُ على هذا الحديثِ عِنْدَ بعْضِ أَهلِ العلمِ يقُولُونَ‏:‏ إذَا أرادَ الرّجُلُ أنْ يَعْتَكِفَ صلّى الفَجْرَ ثم دَخَلَ في مُعْتَكَفِهِ‏.‏ وهو قَوْلُ أَحمدَ وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ‏.‏ وقالَ بَعْضُهُمْ إذَا أرادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْتَغِبْ لهُ الشمس منَ الّليْلَةِ التي يريدُ أنْ يعْتَكِفَ فيها مِنَ الغَدِ، وقد قَعَدَ في مُعْتَكَفِه وهو قولُ سُفْيانَ الثّوْريّ ومالِك بنِ أنَسٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وعروة عن عائشة‏)‏ يعني أن الزهري روى هذا الحديث من طريقين‏:‏ الأول عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة والثاني عن عروة عن عائشة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى قبضه الله‏)‏ وفي رواية الصحيحين‏:‏ حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ هذه المواظبة المقرونة بعدم الترك مرة لما اقترنت بعدم الإنكار على من لم يفعله من الصحابة كانت دليل السنية وإلا كانت دليل الوجوب، أو نقول اللفظ وإن دل على عدم الترك ظاهراً لكن وجدنا صريحاً يدل على الترك وهو ما في الصحيحين وغيرهما، ثم ذكر حديث عائشة وفيه‏:‏ فلما انصرف صلى الله عليه وسلم من الغداة أبصر أربع قباب فقال‏:‏ ‏"‏ماهذا‏؟‏‏"‏ فأخبر خبرهن ‏"‏ما حملن على هذا البر‏؟‏‏"‏ انزعوها فنزعت، فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي بن كعب‏)‏ بلفظ‏:‏ واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً فلم يعتكف، فلما كان من قابل اعتكف عشرين يوماً، أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم ‏(‏وأبي ليلى‏)‏ لينظر من أخرجه ‏(‏وأبي سعيد‏)‏ أخرجه الشيخان ‏(‏وأنس‏)‏ أخرجه الترمذي وابن ماجه ‏(‏وابن عمر رضي الله عنه‏)‏ أخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة وعائشة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صلى الفجر ثم دخل معتكفه‏)‏ بصيغة المفعول أي مكان اعتكافه، أي انقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء اعتكافه بل كان يعتكف من الغروب ليلة الحادي والعشرين وإلا لما كان معتكفاً العشر بتمامه الذي ورد في عدة أخبار أنه كان يعتكف العشر بتمامه، وهذا هو المعتبر عند الجمهور اعتكاف عشر أو شهر، وبه قال الأئمة الأربعة، ذكره الحافظ العراقي كذا في شرح الجامع الصغير للمناوي‏.‏ وقال الحافظ ابن حجر في الفتح‏:‏ فيه أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، وهو قول الأوزاعي والليث والثوري، وقال الأئمة الأربعة وطائفة‏:‏ يدخل قبيل غروب الشمس وأولوا الحديث على أنه دخل من أول الليل ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح انتهى كلام الحافظ‏.‏ وقال أبو الطيب السندي‏:‏ وإنما جنح الجمهور إلى التأويل المذكور للعمل بالحديثين‏:‏ الأول ما روى البخاري عن عائشة قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان والثاني ما رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام الحديث، فاستفيد من الحديث الأول عشر ليال ومن الاَخر عشرة أيام، فأولوا بما تقدم جمعاً بين الحديثين انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى هذا الحديث إلخ‏)‏ والحديث أخرجه البخاري ومسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول أحمد بن حنبل‏)‏ قال أبو الطيب في شرح الترمذي‏:‏ يفهم من هذا أن هذا هو مذهب الإمام أحمد وليس كذلك، بل إنما هو رواية عنه‏.‏ قال الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مفلح المقدسي في كتابه الفروع‏:‏ ومن أراد أن يعتكف العشر الأخير تطوعاً أدخل قبل ليلته الأولى نص عليه أي الإمام أحمد، وعنه بعد صلاة الفجر أول يوم منه انتهى مختصراً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد قعد في معتكفه‏)‏ جملة حالية وذو الحال قوله الشمس، أي فلتغب له الشمس في حالة الاعتكاف، كذا في بعض الحواشي، والظاهر أن هذه الجملة حال من الضمير المجرور في قوله له أي فلتغب له الشمس حال كونه قاعداً في معتكفه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس‏)‏ وهو قول الجمهور وبه قال الأئمة الأربعة كما عرفت في كلام الحافظ‏.‏

538- باب ما جَاءَ في لَيْلَةِ القَدْر

786- حدثنا هارُونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيّ حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمانَ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيهِ عن عائِشَةَ قالَتْ‏:‏ ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ وَيَقُولُ‏:‏ ‏"‏تَحرّوْا ليْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأوَاخِرِ منْ رَمضَانَ‏"‏‏.‏

وفي البابِ عن عُمَرَ وأُبَي وجابِرِ بنِ سَمُرَةَ وجابِرِ بنِ عبدِ الله وابنِ عُمَرَ والفَلَتَانِ بنِ عاصِمٍ وأَنَسٍ وأَبي سَعيدٍ وعبدِ الله بنِ أُنَيْسٍ الزّبيريّ وأبي بَكْرَةَ وابنِ عبّاسٍ وبِلاَلٍ وعُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وقَوْلُها ‏(‏يُجاوِرُ‏)‏ يعنى يعْتَكِفُ وأَكْثَرُ الرّوَاياتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ ‏"‏التمسوها في العَشْرِ الأواخِرِ في كلّ وِتْرٍ‏"‏‏.‏ وَرُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في لَيْلَةِ القَدْرِ أَنّها لَيْلَةُ إحْدى وعِشْرينَ وليْلَةُ ثلاثٍ وعِشْرينَ وخَمْسٍ وعِشْرينَ وسَبْعٍ وعِشْرينَ وتِسْعٍ وعِشْرينَ وآخِرِ ليْلَةٍ منْ رَمضانَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ قالَ الشافِعيّ كأَنّ هذا عِنْدي والله أعلمُ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجيبُ على نَحْوِ ما يُسْأَلُ عنهُ‏.‏ يُقالُ لهُ نَلْتَمِسُها في لَيْلَةِ كذَا فيقُولُ الْتَمِسُوها في لَيْلَةِ كذَا‏.‏ قالَ الشافعيّ‏:‏ وأَقْوَى الرّوَاياتِ عِنْدي فيها لَيْلَةُ إِحْدى وعِشْرينَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وقد رُوِيَ عن أُبَيّ بنِ كعْبٍ أَنّهُ كانَ يَحْلِفُ أنّها ليْلَةُ سبْعٍ وعِشْرينَ ويقُولُ‏:‏ أخبرنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بِعلاَمَتِها فَعَدَدْنا وحَفِظْنا ورُوِيَ عن أبي قِلاَبَةَ أنّهُ قال‏:‏ ليَلةُ القَدْرِ تَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأواخِرِ أَخبرنا بِذَلكَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا عبدُ الرّزّاقِ عنْ مَعْمَرٍ عن أيّوبَ عن أبي قِلاَبَةَ بهذا‏.‏

787- حدثنا واصِلُ بنُ عبدِ الأعْلَى الكُوفِيّ حدثنا أَبُو بكْرٍ عن عاصمٍ عن زَر قالَ‏:‏ قُلْتُ لأبيّ بنِ كَعْبٍ‏:‏ أنّى عَلِمْتَ أبا المُنْذِرِ أَنّها ليْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرينَ‏؟‏ قال‏:‏ بَلى أخْبَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلةٌ صَبِيحَتُها تَطْلُعُ الشّمْسُ لَيْسَ لها شُعاعٌ‏.‏ فَعدَدْنا وحَفِظْنا والله لَقدْ عَلِمَ ابنُ مَسْعُودٍ أنّها في رَمضَانَ وأنّها لَيلَةُ سَبْعٍ وعِشْرينَ ولكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتّكِلُوا‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

497- حدثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، حدثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْع حدثنا عُيَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمَنِ قال حَدّثَني أبي قالَ‏:‏ ذُكِرَتْ ليْلَةُ القَدْر عِنْدَ أَبي بكْرَةَ فقالَ‏:‏ ما أنا مُلْتَمِسُها لِشَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلاّ في العَشْرِ الأواخِرِ فإِنّي سَمِعْتُهُ يقُولُ‏:‏ ‏"‏التْمِسُوها في تِسْع يَبْقَيْنَ أوْ في سَبْعٍ يَبْقيْنَ أوْ في خَمْسٍ يَبْقَيْنَ أَوْ في ثلاَثٍ أَواخر ليْلَةَ‏.‏ قالَ‏:‏ وكانَ أبو بكْرَةَ يُصَلّي في العِشْرينَ منْ رَمضَانَ كَصَلاتِه في سائِرِ السّنَةِ، فإِذَا دَخَلَ العَشْرُ اجْتَهدَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يجاوز‏)‏ أي يعتكف ‏(‏في العشر الأواخر‏)‏ بكسر الخاء المعجمة جمع الأخرى، وقال في المصابيح‏:‏ لا يجوز أن يكون جمع آخر، والمعنى‏:‏ كان يعتكف في الليالي العشر الأواخر من رمضان ‏(‏تحروا‏)‏ أي اطلبوا‏.‏ قال في النهاية‏:‏ أي تعمدوا طلبها فيها، والتحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر رضي الله عنه‏)‏ أخرجه بن أبي شيبة ‏(‏وأبي ابن كعب‏)‏ أخرجه مسلم والترمذي ‏(‏وجابر بن سمرة‏)‏ بلفظ‏:‏ رأيت ليلة القدر فأنسيتها فاطلبوها في العشر الأواخر هي ليلة ريح ومطر ورعد، أخرجه الطبراني ‏(‏وجابر عن عبد الله‏)‏ لينظر من أخرجه ‏(‏وابن عمر‏)‏ أخرجه الشيخان وغيرهما ‏(‏والفلتان‏)‏ بفتح الفاء واللام المفتوحة وبالتاء المثناة من فوق ثم ألف ثم نون ‏(‏ابن عاصم‏)‏ الجرمي ويقال المنقري والصواب الأول، قال أبو عمرو هو خال كليب بن شهاب الجرمي والد عاصم بن كليب يعد في الكوفيين، كذا في شرح الترمذي لأبي الطيب ‏(‏وأنس‏)‏ أخرجه الديلمي في الفردوس ‏(‏وأبي سعيد‏)‏ أخرجه الشيخان وغيرهما ‏(‏وعبد الله بن أنيس‏)‏ بضم الهمزة مصغراً أخرجه أبو داود ‏(‏وأبي بكرة‏)‏ أخرجه الترمذي ‏(‏وابن عباس‏)‏ أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد ‏(‏وبلال‏)‏ أخرجه أحمد بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة القدر ليلة أربع وعشرين ‏(‏وعبادة بن الصامت‏)‏ أخرجه البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم ‏(‏وأكثر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر‏)‏ فالأرجح والأقوى أن كون ليلة القدر منحصر في رمضان ثم في العشر الأخير منه ثم في أوتاره لا في ليلة منه بعينها‏.‏ قال الحافظ ابن حجر في الفتح‏:‏ وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها وقال‏:‏ قد اختلف العلماء في ليلة القدر اختلافاً كثيراً وتحصل لنا من مذاهبهم في ذلك أكثر من أربعين قولاً ثم ذكر هذه الأقوال ثم قال‏:‏ وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال الشافعي‏:‏ كان هذا عندي والله اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل عنه إلخ‏)‏ قد اعترض على القاري في المرقاة على كلام الشافعي هذا ولفظه فيه أنه ما يحفظ حديث ورد بهذا اللفظ فكيف يحمل عليه جميع ألفاظ النبوة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى عن أبي بن كعب‏)‏ رواه الترمذي في هذا الباب ‏(‏وروى عن أبي قلابة أنه قال ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر‏)‏ ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه، وكأنه أخذه من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير ثم اختلفوا في تعيينها قاله الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أني علمت‏)‏ بفتح الهمزة وتشديد النون وبالألف المقصورة، أي من أين علمت ومن أي دليل عرفت‏؟‏ ‏(‏أبا المنذر‏)‏ بحذف حرف النداء وهو كنية أبي بن كعب ‏(‏ليس لها شعاع‏)‏ قال الطيبي‏:‏ الشعاع ما يرى من ضوء الشمس عند حدودها مثل الحبال والقضبان مقبلة إليك لما نظرت إليها انتهى‏.‏ قال النووي‏:‏ قال القاضي‏:‏ قيل معنى ‏"‏لا شعاع لها‏"‏ أنها علامة جعلها الله تعالى لها‏.‏ قال‏:‏ وقيل بل لكثرة اختلاف الملائكة في ليلتها ونزولها إلى الأرض وصعودها بما تنزل به سترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها انتهى‏.‏ قال في المرقاة فيه‏:‏ أن الأجسام اللطيفة لا تستر شيئاً من الأشياء الكثيفة، نعم لو قيل غلب نور تلك الليلة ضوء الشمس مع بعد المسافة الزمانية مبالغة في إظهار أنوارها الربانية لكان وجهاً وجيهاً انتهى‏.‏ قلت فيه ما فيه كما لا يخفي على المتأمل‏.‏ قيل فائدة العلامة أن يشكر على حصول تلك النعمة إن قام بخدمة الليلة وإلا فيتأسف على ما فاته من الكرامة ويتدارك في السنة الاَتية، وإنما لم يجعل علامة في أول ليلها إبقاء لها على إبهامها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان إلخ‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ قلت إن أخاك ابن مسعود يقول‏:‏ من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال رحمه الله أراد أن لا يتكل الناس‏.‏ أما إنه قد علم أنها في رمضان إلخ ‏(‏فتتكلموا‏)‏ أي فتعتمدوا على قول واحد وإن كان هو الصحيح الغالب فلا تقوموا إلا في تلك الليلة وتتركوا قيام سائر الليالي فيفوت حكمة الإبهام الذي نسي بسببها عليه الصلاة والسلام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

497- قوله‏:‏ ‏(‏التمسوها‏)‏ أي ليلة القدر ‏(‏في تسع‏)‏ أي تسع ليال ‏(‏يبقين‏)‏ بفتح الياء والقاف وهي التاسعة والعشرون ‏(‏أو في سبع يبقين‏)‏ وهي السابعة والعشرون ‏(‏أو في خمس يبقين‏)‏ وهي الخامسة والعشرون ‏(‏أو ثلاث‏)‏ أي يبقين وهي الثالثة والعشرون ‏(‏أو آخر ليلة‏)‏ من رمضان أي سلخ الشهر‏.‏ قال الطيبي‏:‏ يحتمل التسع أو السلخ رجحنا الأول بقرينة الأوتار، كذا في المرقاة شرح المشكاة‏.‏ وقال في اللمعات‏:‏ قوله في تسع يبقين قيل في تسع يبقين محمول على الثانية والعشرين، وفي سبع يبقين محمول على الرابعة والعشرين، وفي خمس يبقين على السادسة والعشرين، وأو ثلاث على الثامن والعشرين، أو آخر ليلة محمول على التاسع والعشرين، وقيل على السلخ أقول هذا إذا كان الشهر ثلاثين يوماً، وأما إذا كان تسعاً وعشرين فالأولى على الحادية والعشرين والثانية على الثالثة والعشرين والثالثة على الخامسة والعشرين والرابعة على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الورادة في الأتار، بل نقول‏:‏ لا دليل على كونها أولى هذه الأعداد، فالظاهر أن المراد من كونها في تسع يبقين الخ ترديدها في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة انتهى ما في اللمعات‏.‏

539- باب مِنْه

788- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وكيعٌ، حدثنا سُفْيَانُ عن أبي إسحاقَ عن هُبَيْرَةَ بن يَرِيم عن علي ‏"‏أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُوقِظُ أَهْلَهُ في العَشْرِ الأواخِر مِنْ رمَضَانَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

789- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ الواحد بنُ زِيادٍ عن الحَسنِ بنِ عُبَيْدِ الله عن إبراهيمَ عن الأسْوَدِ عن عائِشَةَ قالت‏:‏ ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأواخِر ما لا يَجْتَهدُ في غَيْرِها‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي إسحاق‏)‏ هو السبيعي ‏(‏عن هبيرة‏)‏ بضم هاء وفتح موحدة ‏(‏ابن يريم‏)‏ بفتح التحتية وكسر الراء بوزن عظيم، قال الحافظ‏:‏ لا بأس به‏.‏ وقد عيب بالتشيع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يوقظ أهله‏)‏ أي للصلاة، وروى الترمذي عن أم سلمة‏:‏ لم يكن صلى الله عليه وسلم إذا بقى من رمضان عشرة أيام يدع أحداً يطيق القيام إلا أقامه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يجتهد في العشر الأواخر‏)‏ قيل أي يبالغ في طلب ليلة القدر فيها، قال القاري‏:‏ والأظهر أنه يجتهد في زيادة الطاعة والعبادة ‏(‏ما لا يجتهد في غيرها‏)‏ أي في غير العشر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم‏.‏

540- باب ما جَاءَ في الصّوْمِ في الشّتَاء

790- حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، حدثنا يَحْيى بنُ سَعِيدٍ حدثنا سُفْيانُ عَنْ أبي إسحاقَ عن نُمْيرِ بنِ عَريبٍ عن عامِرِ بنِ مَسْعُودٍ عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏الغَنيمَةُ البارِدَةُ الصّوْمُ في الشّتَاءِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ مُرسلٌ‏.‏ عامِر بنُ مَسْعُود لَمْ يُدْرِكِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ والِد إبراهيمَ بنِ عامِرٍ القُرَشيّ الّذِي روَى عَنْهُ شُعْبَةُ والثّوْرِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن نمير‏)‏ بضم النون وفتح الميم مصغراً ‏(‏بن عريب‏)‏ بفتح العين المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وآخره موحدة‏.‏ قال في التقريب مقبول من الثالثة ‏(‏عن عامر بن مسعود‏)‏ بن أمية بن خلف الجمحي، يقال له صحبة وذكره ابن حبان وغيره في التابعين كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء‏)‏ لوجود الثواب بلا تعب كثير وفي الفائق‏:‏ الغنيمة الباردة هي التي تجيء عفواً من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاد، وقيل هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب والهناءة أن الماء والهواء لما كان طيبهما ببردهما خصوصاً في بلاد الحارة قبل‏:‏ ماء بارد وهواء بارد على طريق الاستطابة ثم كثر حتى قيل عيش بارد وغنيمة بارد وغنيمة باردة وبرد أمرنا‏.‏ قال الطيبي‏:‏ والتركيب من قلب التشبيه لأن أصل الصوم في الشتاء كالغنيمة الباردة، وفيه من المبالغة أن يلحق الناقص بالكامل كما يقال زيد كالأسد فإذا عكس وقيل الأسد كزيد يجعل الأصل كالفرع والفرع كالأصل يبلغ التشبيه إلى الدرجة القصوى في المبالغة، والمعنى أن الصائم يجوز الأجر من غير أن يمسه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث مرسل، عامر بن مسعود لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال صاحب المشكاة في الإكمال‏:‏ عامر بن مسعود عو عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي وهو ابن أخي صفوان بن أمية روى عنه نمير بن عريب، أخرج حديثه الترمذي في الصوم وقال هو مرسل لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أورده ابن مندة وابن عبد البر في أسماء الصحابة، وقال ابن معين‏:‏ لا صحبة له انتهى‏.‏ وحديث عامر بن مسعود وهذا أخرجه أحمد في مسنده أيضاً ‏(‏هو والد إبراهيم بن عامر القرشي‏)‏ قال ابن معين والنسائي‏:‏ ثقة، وقال أبو حاتم‏:‏ صدوق لا بأس به‏.‏

541- باب ما جَاءَ ‏{‏وعلى الذينَ يُطيقُونَهُ‏}‏

‏(‏باب ما جاء على الذين يطيقونه‏)‏ أي باب ما جاء في أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين‏}‏ منسوخ‏.‏

791- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا بكْرُ بنُ مُضَرَ عن عَمْروِ بنِ الحَارثِ عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأشج عن يَزيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ عن سلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ قال‏:‏ لَمّا نَزَلَتْ ‏{‏وعلى الّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طعَامُ مِسْكينِ‏}‏ كانَ مَنْ أرادَ مِنّا أَنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ حتى نَزَلَتَ الاَيَةُ التي بَعْدَها فَنَسَخَتْها‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ ويَزيدَ هُوَ ابنُ أبي عُبَيْد مَوْلَى سلَمةَ بنِ الأكْوَعِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لما نزلت‏:‏ وعلى الطريق يطيقونه‏)‏ أي الصوم إن أفطروا ‏(‏فدية‏)‏ مرفوع على الابتداء وخبره مقدم وهو قوله ‏(‏وعلى الذين‏)‏ وقراءة العامة فدية بالتنوين وهي الجزاء والبدل من قولك فديت الشيء بالشيء أي هذا بهذا قاله العيني ‏(‏طعام مسكين‏)‏ بيان لفدية أو بدل منها، وهو نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد قاله العيني ‏(‏كان من أراد من أن يفطر ويفتدي‏)‏ كذا وقع في رواية الترمذي وفي رواية الشيخين، ووقع في رواية أبي داود كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل، وهذه الرواية هي مفسرة لرواية الترمذي والشيخين، وفي رواية لمسلم‏:‏ كنا في رمضان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين حتى أنزلت هذه الاَية ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏(‏حتى نزلت الاَية التي بعدها‏)‏ أي ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ كما في رواية مسلم المذكورة ‏(‏فنسختها‏)‏ أي فنسخت الثانية والأولى وهذا الحديث دليل صريح على أن قوله تعالى ‏{‏وعلى الذين يطيقونه‏}‏ منسوخ وهو قول الجمهور وهو الحق‏.‏ ويدل عليه صراحة ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر أنه قرأ ‏(‏فدية طعام مساكين‏)‏ قال هي منسوخة‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقد أخرجه الطبري من طريق عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر بلفظ‏:‏ نسخت هذه الاَية ‏{‏وعلى الذين يطيقونه‏}‏ التي بعدها ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ انتهى‏.‏ وفي صحيح البخاري‏:‏ قال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم عمن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها ‏(‏وأن تصوموا خير لكم‏)‏ فأمروا بالصوم‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ واتفقت هذه الأخبار يعني رواية سلمة وابن عمر وابن أبي ليلى عن أن قوله ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏}‏ منسوخ، وخالف في ذلك ابن عباس فذهب إلى أنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير ونحوه انتهى‏.‏

قلت‏:‏ مذهب ابن عباس هذا مبنى على أنه قرأ ‏(‏يطوقونه‏)‏ بصيغة المجهول من التطويق وهي قراءة ابن مسعود أيضاً كما صرح به الحافظ، وقراءة العامة ‏(‏يطيقونه‏)‏ من أطاق يطيق‏.‏ روى البخاري في صحيحه عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ ‏{‏وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ليست بمنسوخة هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فليطعمان مكان كل يوم مسكينا‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قوله ‏(‏يطوقونه‏)‏ بفتح الطاء وتشديد الواو مبنياً للمفعول مخفف الطاء من طوق بضم أوله بوزن قطع وهذه قراءة ابن مسعود أيضاً‏:‏ وقد وقع عند النسائي من طريق ابن أبي نجيح عن عمرو بن دينار ‏(‏يطوقونه‏)‏ يكلفونه وهو تفسير حسن أي يكلفونه إطاقته انتهى‏.‏ وقال فيه أيضاً‏:‏ ورجح ابن المنذر النسخ من جهة قوله ‏{‏وأن تصوموا خير لكم‏}‏ قال‏:‏ لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال له ‏(‏وأن تصوموا خير لكم‏)‏ مع أنه لا يطيق الصيام انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ‏(‏ويزيد هو ابن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع‏)‏ ثقة من الرابعة‏.‏

542- باب مَنْ أَكلَ ثمّ خَرَجَ يُريدُ سَفَرا

792- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا عبدُ الله بنُ جَعْفَرٍ عن زيدِ بن أسْلَمَ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ أنّهُ قال‏:‏ ‏"‏أتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ في رمَضَانَ وهُوَ يُريدُ سَفَراً وقد رُحلَتْ لهُ راحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السّفَرِ فَدَعا بِطَعامٍ فأَكلَ فقُلْتُ لهُ سُنّةٌ‏؟‏ فقالَ سَنّةٌ ثمّ رَكِبَ‏"‏‏.‏

793- حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ حدثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَم حدثنا محمدُ بنُ جَعْفَرٍ قال حَدّثَني زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ قال حَدّثَني محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ قال‏:‏ ‏"‏أتَيْتُ أَنَسَ بنَ مالِكٍ في رَمَضَانَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ ومحمدُ بنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ أَبي كَثِيرٍ هو مَدِينِيّ ثِقَةٌ وهُو أخُو إسماعِيلَ بنِ جَعْفَرٍ وعَبْدُ الله بنُ جَعْفَرٍ هُوَ ابنُ نَجيحٍ والِدُ عليّ بنِ المَديِنيّ‏.‏ وكانَ يَحْيى بنُ معِين يُضَعّفُهُ‏.‏ وقد ذَهَبَ بعْضُ أهْلِ العِلمِ إلى هذا الحَدِيثِ وقالوا لِلْمُسافِرِ أَنْ يُفْطِرَ في بَيْتِهِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ وليْس لهُ أَنْ يَقْصُرَ الصّلاَةَ حتّى يَخْرُجَ مِنْ جِدارِ المَدينَةِ أوِ القَرْيَةِ وهُوَ قَوْلُ إسحاقَ بنِ إبراهِيمَ الحنظلي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا عبد الله بن جعفر‏)‏ بن نجيح السعدي مولاهم أبو جعفر المدني والد علي بصري أصله من المدينة ضعيف من الثامنة يقال تغير حفظه بآخره، كذا في التقريب‏.‏ وقال الذهبي في الميزان‏:‏ متفق على ضعفه لكنه لم يتفرد بهذا الحديث بل تابعه محمد بن جعفر في الرواية الاَتية وهو ثقة ‏(‏وقد رحلت له راحلته‏)‏ أي وضع الرحل على راحلته لركوبه السفر‏.‏ والراحلة هي البعير القوي على الأسفار والأحمال يستوى فيه الذكر وغيره، وهاؤه للمبالغة ‏(‏فقلت له سنة‏)‏ أي هذا سنة‏؟‏ ‏(‏فقال سنة‏)‏ فيه دليل لمن قال إنه يجوز للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج‏.‏ وفي الباب حديث عبيد بن جبير قال‏:‏ كنت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان فرفع ثم قرب غداءه قال‏:‏ اقترب‏.‏ قلت‏:‏ ألست ترى البيوت‏؟‏ قال‏:‏ أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فأكل، أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري والحافظ في التلخيص، وقال الشوكاني في النيل‏:‏ رجال إسناده ثقات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ ولا بأس بكون عبد الله بن جعفر في الطريق الأولى فإنه لم يتفرد به بل تابعه محمد بن جعفر في الطريق الثانية وهو ثقة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث الخ‏)‏ قال الشوكاني في النيل‏:‏ وهذان الحديثان يعني حديث أنس وحديث عبيد بن جبر يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه‏.‏ قال ابن العربي في العارضة‏:‏ هذا صحيح ولم يقل به إلا أحمد، أما علماؤنا فمنعوا منه، لكن اختلفوا‏:‏ إذا أكل هل عليه كفارة‏؟‏ فقال مالك‏:‏ لا، وقال أشهب هو متأول، وقال غيرهما‏:‏ يكفر ونحب أن لا يكفر لصحة الحديث ولقول أحمد عذر يبيح الإفطار فطريانه على الصوم يبيح الفطر كالمرض، وفرق بأن المرض لا يمكن دفعه بخلاف السفر قال ابن العربي‏:‏ وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر ثم ذكر أن قوله من السنة لا بد من أن يرجع إلى التوقيف‏.‏ والخلاف في ذلك معروف في الأصول‏.‏ والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة انتهى ما في النيل ‏(‏وهو قول إسحاق بن إبراهيم‏)‏ هو إسحقاق بن راهويه‏.‏

543- باب ما جَاءَ في تُحْفَةِ الصّائِم

794- حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ، حدثنا أبُو مُعَاوِيةَ عن سعدِ بنِ طَريفٍ عن عُمَيْرِ بنِ مأْمُونٍ عنِ الحَسَنِ بنِ عَلِي قالَ‏:‏ قال رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏تُحْفَةُ الصّائِمِ الدّهْنُ والمِجْمَرُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ غريبٌ ليْسَ إِسْنَادُهُ بِذاكَ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حديثِ سَعْدِ بنِ طَريف‏.‏ وسَعْد بن طريف يُضَعّفُ ويُقَالُ عُمَيْرُ بنُ مأْمُومٍ أَيْضاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سعد بن طريف‏)‏ الحنظلي الكوفي متروك ورماه ابن حبان بالوضع وكان رافضياً كذا في التقريب ‏(‏عن عمير بن مأمون‏)‏ مقبول من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏تحفة الصائم الدهن والمجمر‏)‏ بكسر الميم هو الذي يوضع فيه النار للبخور‏.‏ قال في النهاية‏:‏ يعني أنه يذهب عنه مشقة الصوم وشدته، والتحفة طرفة الفاكهة وقد تفتح الحاء والجمع التحف ثم تستعمل في غير الفاكهة من الألطاف والنغض انتهى‏.‏ فإذا زار أحدكم أخاه وهو صائم فليتحفه بذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب ليس إسناده بذاك‏)‏ أي ليس إسناده بالقوى ‏(‏وسعد يضعف‏)‏ قال ابن معين‏:‏ لا يحل لأحد أن يروي عنه، وقال أحمد وأبو حاتم ضعيف الحديث وقال النسائي والدارقطني متروك، وقال ابن حبان‏:‏ كان يضع الحديث على الفور، وقال البخاري‏:‏ ليس بالقوي عندهم، كذا في الميزان‏.‏ وذكر الذهبي فيه حديث الباب من منكراته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويقال عمير بن مأموم أيضاً‏)‏ يعني بالميم بدل النون‏.‏

544- باب ما جَاءَ في الفِطْرِ والأضْحَى مَتى يكُون

‏(‏باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون‏)‏ وقد بوب الترمذي فيما تقدم بلفظ‏:‏ باب ما جاء أن الفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون، وذكر فيه حديث أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون وحسنه‏.‏

795- حدثنا يَحْيى بنُ موسى، حدثنا يَحْيى بنُ اليَمانِ عن مَعْمَرٍ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن عائِشَةَ قالَتْ‏:‏ قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النّاسُ والأضْحى يَوْمَ يُضَحّي النّاسُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ سأَلْتُ محمداً قُلْتُ لهُ‏:‏ محمدُ بنُ المُنْكَدِرِ سَمِعَ مِنْ عائشةَ‏؟‏ قال‏:‏ نَعَمْ يقُولُ في حَديثِهِ سَمِعْتُ عائِشَةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ مِنْ هذا الوجهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ ‏"‏الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس‏"‏‏)‏ قال الترمذي فيما تقدم‏:‏ فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس انتهى‏.‏ قال في سبل السلام‏:‏ فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية انتهى‏.‏ وقد تقدم الكلام في هذا‏.‏

545- باب ما جَاءَ في الإعْتِكافِ إذَا خَرَجَ مِنْه

‏(‏باب ما جاء في الاعتكاف إذا خرج منه‏)‏ قد عقد الترمذي فيما تقدم باب الاعتكاف ثم عقد عدة أبواب لا تعلق لها بالاعتكاف ثم عقد هذا الباب وهذا ليس بمستحسن، وكان له أن يسوق أبواب الاعتكاف كلها متوالية متناسقة‏.‏

796- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارِ حدثنا ابنُ أبي عَدِي قال‏:‏ أنْبأَنَا حُمَيْدٌ الطّوِيلُ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ‏:‏ ‏"‏كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَعْتَكِفُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ، فَلَم يَعتَكِف عاماً‏.‏ فلمّا كانَ في العَامِ المُقْبِلِ اعتكَفَ عِشْرِينَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ حديث أَنَسٍ بن مالك‏.‏ واخْتَلَفَ أَهْلُ العلمِ في المُعْتَكِفِ إذَا قَطَعَ اعْتِكَافَهُ قَبْلَ أَنْ يُتِمّهُ على ما نَوَى، فقالَ بَعْضُ أَهلِ العِلمِ إذَا نَقَضَ اعْتِكَافَهُ وَجَبَ عليهِ القَضَاءُ، واحْتَجّوا بالحَدِيثِ‏:‏ ‏"‏أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ فاعْتَكَفَ عَشْراً مِنْ شَوّالٍ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ‏.‏ وقالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَذْرُ اعْتِكَافٍ أَو شَيْءٌ أَوْجَبَهُ على نَفْسِهِ وكانَ مُتَطَوّعاً فَخَرَجَ فَلَيْسَ عليهِ أَنْ يَقْضِيَ، إِلاّ أنْ يُحبّ ذلكَ اخْتِيَاراً مِنْهُ ولا يَجِبُ ذلكَ عليهِ‏"‏‏.‏ وهُوَ قَوْلُ الشّافَعِيّ‏.‏

قالَ الشّافِعِيّ‏:‏ فكُلّ عَمَلٍ لَكَ أن لا تَدْخُلَ فيهِ، فإِذَا دَخَلْتَ فيهِ فَخَرَجْتَ مِنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ إلاّ الحَجّ والعُمْرَةَ‏.‏ وفي البابِ عن أَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ ‏"‏فلم يعتكف عاماً‏"‏‏)‏ قال القاري‏:‏ لعله كان لعذر انتهى‏.‏ قلت‏:‏ الظاهر أن عدم اعتكافه كان لعذر السفر، يدل عليه ما أخرجه النسائي واللفظ له وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عاماً فلم يعتكف فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين، كذا في الفتح ‏(‏ ‏"‏فلما كان العام المقبل‏"‏‏)‏ اسم فاعل من الإقبال ‏(‏ ‏"‏اعتكف عشرين‏"‏‏)‏ بكسر العين والراء وقيل بفتحهما على التثنية، قال في اللمعات‏:‏ أي اهتماماً ودلالة على التأكيد لا لأن ما فات من النوافل المؤقتة يقضي انتهى‏.‏ ووجه المناسبة بالترجمة أنه صلى الله عليه وسلم لما قضى الاعتكاف لمجرد النية وكان لم يشرع فيه بعد فقضاؤه بعد الشروع أولى بالثبوت كذا في بعض الحواشي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ ‏"‏قبل أن يتمه على ما نوى‏"‏‏)‏ أي قبل إتمامه على قدر ما نوى، ‏(‏فقال بعض أهل العلم‏:‏ إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء واحتجوا بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشراً من شوال‏"‏‏)‏ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي حديث البخاري‏:‏ فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشراً من شوال، ولفظ ‏(‏ ‏"‏خرج من اعتكافه‏"‏‏)‏ ليس في واحد من هذه الكتب الخمسة ولم أقف على من أخرج الحديث بهذا اللفظ ‏"‏وهو قول مالك‏"‏ وبه قال الحنفية ‏(‏ ‏"‏وهو قول الشافعي‏"‏‏)‏ وأجاب الشافعي ومن تبعه عن حديث عائشة المذكور بأن قضاءه صلى الله عليه وسلم للاعتكاف كان على طريق الاستحباب لأنه كان إذا عمل عملاً أثبته ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال ‏(‏ ‏"‏وكل عمل‏"‏‏)‏ مبتدأ ‏(‏ ‏"‏لك أن لا تدخل فيه‏"‏‏)‏ صفة للمبتدأ أو هو كناية عن أن يكون نفلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ ‏"‏وفي الباب عن أبي هريرة‏"‏‏)‏ لينظر من أخرجه‏.‏

546- باب المُعْتَكِفِ يَخْرُجُ لَحاجَتِهِ أَمْ لا‏؟‏

797- حدثنا أَبو مُصْعَبٍ المدني قِرَاءَةً عن مَالِكِ بنِ أَنَسٍ عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ و عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ أَنها قالَتْ‏:‏ ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذَا اعْتَكَفَ أدْنَى إِليّ رَأْسَهُ فأُرَجّلُهُ، وكانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلا لِحاجَةِ الإنْسَانِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَالِكِ عن ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وعَمرةَ عن عَائِشَةَ ورواه بعضهم عن مالك عن ابنِ شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَمْرَةَ عن عَائِشَةَ والصّحِيحُ عن عُرْوَةَ وعَمْرَةَ عن عَائِشَةَ‏.‏

798- حدثنا بِذَلِكَ قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ بن سعد عن ابن شهاب عن عروة و عمرة عن عائشة والعملُ على هذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ إذَا اعْتَكَفَ الرّجُلُ أن لا يخرج من اعتكافه الا لحاجة الانسان واجتمعوا على هذا أنه يخرج لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لِلْغَائِطِ والْبَوْلِ‏.‏ ثُمّ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلمِ في عِيَادَةِ المرِيضِ وشُهُودِ الجُمُعَةِ والجَنَازَةِ للمُعْتَكِفِ، فَرَأَى بَعْضُ أَهلِ العِلمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ أَنْ يَعُودَ المرِيضَ ويُشَيّعَ الجَنَازَةَ ويَشْهَدَ الجُمُعَةَ إذا اشْتَرَطَ ذَلِكَ، وهوُ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ وابنِ المُبَاركِ وقالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَل شَيْئاً مِنْ هذَا وَرَأَوْا للمُعْتَكِفِ إذَا كانَ في مِصْرٍ يُجَمّعُ فيهِ أنْ لا يَعْتَكِفَ إلاّ في مَسْجِدِ الجَامِعِ لأنّهُم كَرِهُوا الخُرُوجَ له مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلى الجُمُعَةِ، ولَمْ يَرَوْا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الجُمُعَةَ فقالوا لا يَعْتَكِفُ إلاّ في مَسْجِدِ الجَامِعِ حتّى لا يَحْتَاجَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ قضاءِ حاجةِ الإنسانِ لأن خروجه لِغَيْرِ حاجةِ الإنْسَانِ قَطْعٌ عِنْدَهُمْ للاْعتِكَافِ، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ والشّافِعِيّ‏.‏ وقالَ أحمدُ‏:‏ لاَ يَعُودُ المَرِيضَ ولاَ يَتْبَعُ الجَنَازَةَ على حَدِيثِ عَائِشَةَ‏.‏ وقال إسحاقُ‏:‏ إن اشْتَرَطَ ذلكَ فَلَهُ أنْ يَتْبَعَ الجَنَازَةَ ويَعُودَ المَريِضَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة‏)‏ كذا وقع في النسخ الموجودة عندنا عن عروة وعمرة عن عائشة بالجمع بينهما والصواب أن يكون عن عروة عن عمرة عن عائشة يدل عليه قول الترمذي الاَتي‏:‏ وهكذا رواه غير واحد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ ورواه مالك يعني عن ابن شهاب الزهري عن عروة عن عمرة‏.‏ قال أبو داود وغيره‏:‏ لم يتابع عليه، وذكر البخاري أن عبيد الله بن عمر تابع مالكاً وذكر الدارقطني أن أبا أويس رواه كذلك عن الزهري انتهى ما في الفتح ‏(‏أدنى‏)‏ أي قرب ‏(‏إلي‏)‏ بتشديد الياء ‏(‏رأسه‏)‏ زاد الشيخان في روايتهما‏:‏ وهو في المسجد ‏(‏فأرجله‏)‏ من الترجيل وهو تسريح الشعر وهو استعمال المشط في الرأس أي أمشطه وأدهنه‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وفي الحديث جواز التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقاً بالترجل‏.‏ والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد‏.‏ وعن مالك‏:‏ تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم انتهى‏.‏ وقال ابن الملك‏:‏ فيه دليل على أن المعتكف لو أخرج بعض أجزائه من المسجد لا يبطل اعتكافه ‏(‏وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان‏)‏ فسرها الزهري بالبول والغائظ وقد اتفقوا على استئنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ويلتحق بهما القيء والفصد لمن احتاج إليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والصحيح عن عروة وعمرة عن عائشة، هكذا روى الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة‏)‏ روى البخاري في صحيحه قال‏:‏ حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة وعن عمرة بنت عبد الرحمَن أن عائشة الخ‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قوله‏:‏ عن عروة وعمرة كذا في رواية الليث جمع بينهما ورواه يونس عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة وحده، ورواه مالك عنه عن عروة عن عمرة إلى آخر ما نقلنا عبارته فيما تقدم ثم قال‏:‏ واتفقوا على أن الصواب قول الليث وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواة مالك من المزيد في متصل الأسانيد، وقد رواه بعضهم عن مالك فوافق الليث‏.‏ انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأجمعوا على هذا أنه يخرج لقضاء حاجته للغائط والبول‏)‏ وكذا لغسل الجناية أن لا يمكنه الاغتسال في المسجد ‏(‏فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن يعود المريض ويشيع الجنازة ويشهد الجمعة إذا اشترط ذلك‏)‏ أي في ابتداء اعتكافه ‏(‏وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك‏)‏ وهو قول إسحاق كما بينه الترمذي فيما بعد‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقال الثوري والشافعي وإسحاق‏:‏ إن شرط شيئاً من ذلك يعني عيادة المريض وتشييع الجنازة وشهود الجمعة لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد انتهى‏.‏ قلت‏:‏ قولهم هذا محتاج إلى دليل صحيح ‏(‏وقال بعضهم‏:‏ ليس له أن يفعل شيئاً من هذا‏)‏ واحتجوا بما روى أبو داود من طريق عبد الرحمَن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت‏:‏ السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا ما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع‏.‏ قال أبو داود غير عبد الرحمَن لا يقول فيه السنة‏.‏ وقال المنذري في مختصره‏:‏ وعبد الرحمَن بن إسحاق أخرج له مسلم ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره، وتكلم فيه بعضهم انتهى، وقال الحافظ في بلوغ المرام بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ لا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره وقال في فتح الباري‏:‏ وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها‏:‏ لا يخرج إلا لحاجة، وما عداه ممن دونها، وروينا عن علي والنخعي والحسن البصري إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضاً أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر إلا في الجمعة انتهى‏.‏ يعني أن الكوفيين يقولون‏:‏ إذا خرج المعتكف للجمعة لا يبطل اعتكافه، وإن شهد الجنازة أو عاد مريضاً يبطل‏.‏ قال صاحب شرح الوقاية‏:‏ ولا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان أو للجمعة وقت الزوال انتهى‏.‏ وقال الأمير اليماني في سبل السلام في شرح حديث عائشة قالت‏:‏ السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً الخ ما لفظه‏:‏ فيه دلالة على أنه لا يخرج المعتكف لشيء مما عينته هذه الرواية وأيضاً لا يخرج لشهود الجمعة وأنه إن فعل ذلك بطل اعتكافه، وفي المسألة خلاف كبير ولكن الدليل قائم على ما ذكرناه انتهى كلام الأمير‏.‏ قلت‏:‏ ويؤيده حديث عائشة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يسأل عن المريض إلا ماراً في اعتكافه ولا يعرج عليه، أخرجه أبو داود وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف والصحيح عن عائشة من فعلها وكذلك أخرجه مسلم وغيره، وقال ابن حزم صح ذلك عن علي، كذا في التلخيص ‏(‏ورأوا للمعتكف إذا كان في مصر يجمع فيه لا يعتكف إلا في المسجد الجامع الخ‏)‏ هذا هو المختار عندي والله تعالى أعلم‏.‏